عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

207

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

بالسمع وإلى الانتهاء بالبصر . قال الله تعالى حكاية عن ابتداء ظهور آثار روحانيته : * ( فلما أتئها نوري من شطى الواد الأيمن في البقعة البركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين ( 20 ) ( القصص : 30 ) وقال تعالى حكاية عن مرتبة تمكنه * ( ولما جاء موسى لميقئتنا وكلمة ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن ترئنى ) * ( الأعراف : 143 ) الآية . وقال عقبه : * ( قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسلتى وبكلمى فخذ ما ءاتيتك وكن من الشكرين ( 144 ) ) * ( الأعراف : 144 ) فبين الحق سبحانه وتعالى أن حظ موسى - عليه السلام - منه سبحانه على استقلال الرسالة والكلام ، فأمره بقبول الاصطفاء من هذا الوجه المخصوص ورؤية المن والفضل من الله تعالى والخروج عن عهدة الشكر ، ليستحق بشكره على هذه النعمة على قضية * ( لئن شكرتم لأزيدنكم ) * ( إبراهيم : 7 ) مزيد معنى الرؤية على نبعية النبي - صلى الله عليه وسلم - ولذلك قال : اللهم اجعلني من أحمد . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لو كان موسى حيا ما وسعة إلا ابتاعي " ( 1 ) لأنه الطالب الصادق والسالك الواقف والمريد المتعطش فإذا تيقن أن الحظ الأوفر وهو الرؤية التي تتعلق بالبصر يستحيل أن تحصل إلا بمتابعة المصطفى ألزم على نفسه المتابعة ، بخلاف إبليس الكاذب في دعواه ، فإنه ما وسعه في إدراك رضى المحبوب إلا متابعة آدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين . فلما كان ظهور السمع الحقيقي مبدأ لظهور آثار الحياة الطيبة التي بها تصير المضغة التي إذا صلحت صلح بها سائر الجسد وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ، فلما كان تعلق السمع الظاهر الحس بالقلب أشد والبون بينهما أقرب من البعد الذي بين البصر الظاهر الحسي إلى البصر الحقيقي الروحاني ، فلذلك يؤدي آثار ما يتعلق بالسمع الظاهر إلى القلب أسرع مما يؤدي إليه آثار البصر الظاهر . إلا ترى أن الإنسان ربما غشى عليه إذا سمع بعض الأصواب الطيبة المناسبة الأوزان سواء كان صاحب قلب أو لم يكن ، ولا يصير مغشيا عليه برؤية الأشياء المستحسنة في البصر الظاهر ، وهذا السمع الحقيقي ربما يتحلى به العبد ولم يشعر بذلك التجلي فيسمع الأشياء بقلبه ولا يشعر باستماعه عليه لذلك الشيء من حيث الظاهر ، وإن كان القلب الذي هو السامع مشعرا بحقيقة استماعه وإنما يكون ذلك لمباينة بين الظاهر والباطن ، وإن هذه المباينة لا ترتفع البتة إلا بواسطة المجاهدة والرياضة ، فإذا سمع الإنسان صوتا سواء كان ذلك الصوت موزونا مناسبا أو لم يكن

--> * ( 1 ) رواه أحمد في المسند عن جابر بن عبد الله ، حديث رقم ( 14672 ) ( ج 3 ص 338 ) ورواه ابن أبي شيبة ، من كره النظر في كتب أهل الكتاب ، حديث رقم ( 26421 ) ( ج 5 ص 312 ) .